بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم
لقد رمى الخصوم هذه الدعوة السلفية، ورموا أتباعها وأنصارها بفرية التجسيم والتشبيه، وما نقموا منهم إلا أنهم وصفوا الله سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وسنورد - كما فعلنا في الفصل الأول - بياناً كافياً يوضح معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في باب أسماء الله وصفاته، ويوضح - أيضاً - معتقد أتباعه وأنصار دعوته في هذا الباب.
وسندرك من خلال عرض سريع أن الشيخ رحمه الله، وأتباعه - من بعده - قد اعتنوا بمسألة الأسماء والصفات، وأعطوها حقها من الإيضاح والبيان.
فمع ما كانوا عليه من الانشغال والحرص التام في تقرير توحيد العبادة وبيان ما يناقصه، والاهتمام به قبل كل شيء، لأنه أول واجب على المكلف ومفتاح دعوة الرسل.
إلا إن هذا لم يشغلهم عن بيان توحيد الأسماء والصفات (2) - كما قرره علماء السلف، خاصة بعدما انتشرت هذه الدعوة الإصلاحية خارج بلاد نجد، حيث إن بلاد نجد لم تكن ظاهرة فيها الانحرافات في باب الأسماء والصفات، كما كانت الانحرافات ظاهرة ومشاهدة في باب العبادة والألوهية.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - عن حال أهل نجد في مسألة الأسماء والصفات:
(ونحن بحمد الله قد خلت ديارنا من المبتدعة أهل هذه المقالات)(3) لكن لما انتشرت الدعوة خارج بلاد نجد، احتاج الأمر إلى زيادة بيان في مبحث الأسماء والصفات، لما كان عليه غالب بلاد المسلمين من كثرة الانحراف في باب الأسماء والصفات.
كما أن هذا البيان المفصل - نوعاً ما - سيكون بمثابة الرد - ابتداء - والحجة الدامغة لفرية الخصوم الآتي ذكرها بعد هذا البيان.
وسنورد مفتريات الخصوم - كما جاءت مدونة في كتبهم أو من نقلها عنهم -، ثم نتبعها بالرد والدحض.
ونسوق في خاتمة هذا الفصل - وبإيجاز - بعض ما سطره خصوم أئمة الدعوة في بيان معتقدهم في الأسماء والصفات.
يقرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - عقيدته في باب الأسماء والصفات فيقول - بكل وضوح:-
(ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف، ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه، لأنه تعالى لا سمّي له ولا كفؤ له، ولا ندَّ له ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً، فنزّه سبحانه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل. فقال: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} (1).
وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود وأنه تكلّم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد رسول الله) (2).
ويقول أيضا – رحمه الله – في بيان توحيد الأسماء والصفات :
(و {قل هو الله أحد} متضمنة لما يجب إثباته له تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد المقرر لكمال صمديته وغناه وأحديته، ونفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والمثيل، فتضمنت إثبات كل كمال، ونفي كل نقص، ونفي إثبات شبيه له، أو مثيل في كماله، ونفي مطلق الشريك…) (3).
ويثني الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن – رحمه الله – على جده الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ثناءً حسناً، لما كان عليه من سلامة المعتقد، وتمام الاتباع للسلف الصالح في باب الأسماء والصفات، فيقول الشيخ عبد اللطيف:
(ولهذا المجدد علامة يعرفها المتوسمون، وينكرها المبطلون، أوضحها وأجلاها وأصدقها وأولاها، محبة الرعيل الأول من هذه الأمة، والعلم بما كانوا عليه من أصول الدين، وقواعده المهمة التي أصلها الأصيل وأسها الأكبر الجليل معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وأن يوصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا تحريف ومن غير تكييف ولا تمثيل) (4).
وقد أورد صاحب (جواب الجماعة) معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في باب الأسماء والصفات فقال:
(وكان رحمه الله يعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة …، فيؤمن بأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يلحد في أسمائه، وآياته، ولا يكيف، ولا يمثل صفاته بصفات خلقه …) (5).
فظهر جلياً – مما سبق ذكره – ما كان يعتقده الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في باب الأسماء والصفات، وأنه – رحمه الله – يدين الله بما كان عليه السلف الصالح من الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
أما عن معتقد أتباعه – من بعده – في هذا الباب، فنبتديء بما قاله الشيخ عبد الله ابن محمد بن عبد الوهاب في بيان معتقدهم، حين دخلوا مكة المكرمة سنة 1218هـ، يقول رحمه الله:
(.. مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم والأعلم والأحكم، خلافا لمن قال طريقة الخلف أعلم، وهي أنا نقرُّ آيات الصفات وأحاديثها، ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى..) (1).
ويورد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب معتقدهم في باب الأسماء والصفات – بجواب أوسع من الجواب السابق – فيقول جواباً عن اعتقادهم في آيات الصفات:
(الذي نعتقده والذي ندين الله به، هو مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة، وأصحابهم رضي الله عنهم أجمعين، وهو الإيمان بذلك والإقرار به وإمراره كما جاء من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل..، ممن سبيلهم في الاعتقاد: الإيمان بصفات الله تعالى، وأسمائه التي وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة عليها، ولا نقصان منها ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين بل أمروها (2) كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها، ومعناها إلى المتكلم بها صادق لا شك في صدقه، فصدقوه، ولم يعلموا حقيقة معناها(3) فسكتوا عما لم يعلموه، وأخذ ذلك الأخر عن الأول، ووصى بعضهم بعضاً بحسن الاتباع، والوقوف حيث وقف أولهم، وحذروا من التجاوز لها والعدول عن طريقهم، وبيّنوا لنا سبيلهم ومذاهبهم، وحذرونا من اتباع طريق أهل البدع والاختلاف..)(4).
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – مبيّناً ظهور توحيد الأسماء والصفات، ووضوحه عن طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيقول:
(ومن المحال في العقل والدين، أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب ليحكم بين الناس، فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله، إلى سبيله بإذن ربه على بصيرة، وقد أخبر الله تعالى بأنه قد أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته، محال هذا وغيره – أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبساً مشتبهاً، ولم يميّز ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول..)(5).
ونختم كلام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب موجزاً مذهب السلف الصالح فيقول في كتابه (جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية):
(مذهب السلف رحمة الله عليهم: إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وعلى هذا مضى السلف كلّهم، ولو ذهبنا نذكر ما أطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لخرج بنا عن المقصود في هذا الجواب)(1).
وسئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر بن معمر – رحمهم الله – عن آيات الصفات الواردة في الكتاب كقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } (2) وكذلك قوله: { ولتصنع على عيني}(3) وقوله: { أسمع وأرى } (4) وقوله: { بل يداه مبسوطتان } (5) وقوله: { لما خلقت بيدي } (6) وقوله: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} (7) وقوله: { والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة } (8) وغير ذلك في القرآن. ومن السنّة قوله صلى الله عليه وسلم: (قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن) (9) وكذلك النفس، وقوله: (إن ربكم ليضحك)(10)، وقوله: (حتى يضع رجله فيها فتقول قط قط) (11) وغير ذلك مما لا يحصره هذا القرطاس. على ما تحملون هذه الآيات وهذه الأحاديث في الصفات ؟
فكان من جوابهم أن قالوا:
(الحمد لله رب العالمين، قولنا فيها: ما قال الله ورسوله، وما جمع عليه سلف الأمة وأئمتها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اتبعهم بإحسان، وهو الإقرار بذلك، والإيمان من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال الإمام مالك لما سئل عن قوله { الرحمن على العرش استوى } كيف استوى ؟ فأطرق الإمام مالك، وعلته الرحضاء – يعني العرق -، وانتظر القوم ما يجيء منه، فرفع رأسه إليه، وقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وأحسبك رجل سوء، وأمر به فأخرج، ومن أوّل الاستواء بالاستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك، وسلك غير سبيله، وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف. في جميع الصفات مثل النزول والمجيء واليد والوجه وغيرها فيقال في النزول النزول معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا يقال في سائر الصفات الواردة في الكتاب والسنة.. إلى أخر جوابهم رحمهم الله) (12).
وللشيخ حمد بن ناصر بن معمر رسالة نفيسة تضمنت بياناً شافياً وكافياً لعقيدة السلف الصالح في الأسماء والصفات (1)، وحشد النصوص والبراهين الدالة على صحة عقيدة السلف الصالح، نقتصر على إيراد هذا النص من هذه الرسالة:
(فشيخنا (2) رحمه الله وأتباعه، يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتجاوزون القرآن والحديث، لأنهم متبعون لا مبتدعون، ولا يكيفون، ولا يشبهون، ولا يعطلون، بل يثبتون جميع ما نطق به الكتاب من الصفات، وما وردت به السنة مما رواه الثقات، يعتقدون أنها صفات حقيقية منزهة عن التشبيه والتعطيل، كما أنه سبحانه له ذات حقيقية منزهه عن التشبيه والتعطيل، فالقول عندهم في الصفات كالقول في الذات، فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات، فصفاته صفات حقيقية لا تشبه الصفات، وهذا هو اعتقاد سلف الأمة وأئمة الدين، وهو مخالف لاعتقاد المشبهين، واعتقاد المبطلين، فهو كالخارج، من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين) (3).
__________________________________________________ ___________________________________
النسر الذهبي